سحر حسن ,, وكالة الأنباء العراقية المستقلة مكتب الجنوب/البصرة ,,
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه
ملامح الحياة بشكل غير مسبوق، يقف جيل الشباب أمام تحديات معقدة، جعلت منه محوراً
للجدل والتساؤل: هل نحن أمام جيل ضائع بالفعل، أم أن هذا الجيل هو ضحية لظروف
قاسية فرضها واقع متقلب؟
لم يعد الشباب اليوم يعيشون كما عاش من
سبقهم، فقد فرضت التكنولوجيا واقعاً جديداً، وفتحت الأبواب أمام عالم واسع بلا
حدود، يحمل في طياته فرصاً هائلة، لكنه في الوقت ذاته يضعهم تحت ضغط مستمر. فبين
السعي لتحقيق الطموح، ومواكبة متطلبات الحياة، يجد الكثير من الشباب أنفسهم في
حالة من التشتت، وسط صراع بين ما يريدون أن يكونوا عليه، وما يفرضه عليهم الواقع.
وتشير آراء مختصين إلى أن ما يُوصف
بـ”ضياع الجيل” هو في حقيقته انعكاس لتراكمات اقتصادية واجتماعية، من أبرزها
البطالة، وضعف الفرص، وغياب التوجيه السليم. فالشاب الذي لا يجد فرصة عمل أو دعماً
حقيقياً، غالباً ما يلجأ إلى العزلة أو الهروب نحو العالم الافتراضي، بحثاً عن
بديل يخفف من وطأة الواقع.
كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي
دوراً مزدوجاً، إذ تمنح الشباب مساحة للتعبير والتواصل، لكنها في المقابل تخلق
حالة من المقارنة المستمرة، التي قد تولد شعوراً بالنقص أو الفشل. فمشاهدة نجاحات
الآخرين بشكل متكرر، قد تدفع البعض إلى الإحباط، رغم امتلاكهم لقدرات وإمكانيات
حقيقية.
ومن واقع العمل الميداني في وزارة
الداخلية، وخصوصاً في شعبتي شؤون المرأة والأسرة، تبرز صورة أكثر واقعية لحياة هذا
الجيل. إذ يتم التعامل يومياً مع حالات تتعلق بالعنف الأسري، والابتزاز
الإلكتروني، والانحراف السلوكي، حيث يظهر الشباب في كثير من الأحيان كضحايا لظروف
نفسية واجتماعية ضاغطة، أكثر من كونهم مسؤولين بشكل كامل عن أفعالهم. ويؤكد ذلك أن
غياب الاحتواء الأسري، وضعف الوعي، وقلة التوجيه، عوامل أساسية تدفع الشباب نحو
مسارات غير آمنة، ما يستدعي التركيز على المعالجة الوقائية إلى جانب الإجراءات
القانونية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تكاتف
الجهود بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والجهات الحكومية، لبناء بيئة داعمة قادرة
على احتواء الشباب وتوجيههم. فبناء جيل متوازن لا يتحقق فقط من خلال توفير فرص
العمل، بل يتطلب أيضاً دعماً نفسياً، وتعزيزاً للثقة بالنفس، وفتح آفاق حقيقية
أمام الطموحات.
وتبقى الأسرة الركيزة الأساسية في
تشكيل شخصية الفرد، إذ يشكل الحوار والدعم المستمر خط الدفاع الأول في مواجهة
التحديات. فكلما كان الشاب محاطاً ببيئة داعمة، كان أكثر قدرة على تجاوز الأزمات
واتخاذ قرارات صحيحة.
وفي ختام المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل هو جيل ضائع؟ أم جيل يواجه زمناً استثنائياً بكل ما يحمله من ضغوط وتحديات؟
ربما الحقيقة تكمن في المنتصف… جيل يمر
بمرحلة صعبة، لكنه يمتلك في داخله طاقة التغيير، وقادر على صناعة مستقبل مختلف،
إذا ما أُتيحت له الفرصة والدعم الحقيقي.
|